ابن حزم
74
رسائل ابن حزم الأندلسي
الميل مع كل حسن لائح ، ان المحبة لابد من أن تكون " خلقة " مجبولة في فطرة الانسان . لقد مارس كل ذلك على نحو عملي قبل أن يتعلم أحكام النظر ومخالطة المرأة الأجنبية في مجالس الفقه ، ولذلك لم يستطع - بعد أن تعلم ذلك - التخلص مما نشأ عليه ، إذ ما دامت العفة عن الحرام قد حالت بينه وبين الوقوع في الكبيرة ، فما ثمة ضير كبير في محقرات الذنوب عند رب غفور ؛ ولهذا قال فيه ابن القيم انه " انماع في باب العشق والنظر " أي لم يستطع أن يواجههما بتشدده الذي أظهره من بعد في الشؤون الأخرى . ولعله صوناً لذلك التعفف - تزوج " نعما " في سن مبكرة ، " وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقا وخلقا " وكان هو أبا عذرها ( وتلك أيضاً حقيقة هامة ) فكان فقدها فاجعاً لأنه ابرز إلى العيان ما انطوت عليه نفسه من " حدة رومنطيقية كامنة " كان يداريها من قبل بالاستحسان والألفة والتودد ، فلم تعد هذه كافية لصد تيار الحزن الجارف المتدفق من نفسه ، فقد أقام بعدها سبعة أشهر دون أن يغتسل ، وهو آخذ في بكاء متواصل ، رغم أنه معروف بجمود الدمع بسبب إدمانه أكل الكندر - على ما يقول - لمداواة خفقان القلب ، ولم يطب له عيش بعدها ولا أنس بسواها ولا نسي ذكرها ؛ شيء واحد لم يستطع ذلك الفقد أن يزلزله وهو إيمانه بالتعفف ، ومما زاده رسوخاً في ذلك اتخاذه أستاذه أبا علي الحسين بن علي الفاسي نموذجه الأعلى ، وكان رجلاً صالحاً ناسكاً ، ولعله كان حصوراً لم يتزوج ، قال ابن حزم " فنفعني الله به كثيراً وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي " نعم ظل قلبه يخفق كلما شاه جمالاً ، وكان يقترب حتى يكاد يصبو " ويثوب إليه مرفوض الهوى ويعاوده منسي الغزل " ولكنه كان يغلب الإرادة فيفر مبتعداً . كانت نعم جزءاً من الماضي ، ولكن ذلك الماضي كله انهار دفعة واحدة حين ذهبت الدور والمقصور وانطفأ العز والجاه والغنى وتفرقت الكواعب في أنحاء الأرض ، وتشتت الشمل ، وتهاوى البلد الحبيب تحت